لجنة التحقيق المستقلة تكشف أسباب حرائق محطتي تحويل الكهرباء بنواكشوط وتوصي بإجراءات صارمة

خلصت لجنة التحقيق المستقلة حول حرائق محطتي التحويل التابعتين للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» في نواكشوط الشمالية والغربية، إلى وجود صلة مباشرة بين الحريقين ووصلات كهربائية جديدة بجهد 33 كيلوفولت، دخلت الخدمة قبل أيام قليلة من اندلاع الحريقين.
ووقعت الحرائق يومي 21 و22 أغسطس 2026، بالمحطة الشرقية في توجنين والمحطة الشمالية في تفرغ زينة، وتسببت في اضطرابات واسعة في تزويد العاصمة بالكهرباء استمرت، بحسب المناطق، بين ثلاثة وخمسة أيام، مخلفة خسائر اقتصادية قدرت بنحو 0.07% من الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث من 2026، إلى جانب تكاليف مباشرة تجاوزت 220 مليون أوقية جديدة، فيما قدرت صوملك تكلفة إعادة تأهيل المحطتين المتضررتين بـ 143.9 مليون أوقية جديدة.
وشُكلت اللجنة في 25 أغسطس 2026، بموجب مقرر للوزير الأول، بعد زيارة رئيس الجمهورية للمحطتين المتضررتين، وكُلفت بتحديد أسباب الحريقين، وتسلسل الأحداث، والمسؤوليات المحتملة، واقتراح التدابير الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وأجرت اللجنة تحقيقاتها من خلال زيارات ميدانية، ومقابلات، واختبارات فنية، ودراسة العقود والتقارير والوثائق الإدارية والفنية، بمشاركة جهات وطنية وخبراء دوليين، من بينهم مكتبا ECG السويسري وGOPA INTEC الألماني.
الوصلات الجديدة في صلب التحقيق
ركز التحقيق بشكل خاص على الوصلات الجديدة بجهد 33 كيلوفولت، التي دخلت الخدمة في المحطة الشرقية يوم 15 أغسطس، وفي المحطة الشمالية يوم 20 أغسطس 2026.
وحدد التحقيق نقطة بداية الحريق في خلايا 33 كيلوفولت المرتبطة بهذه الوصلات، لكنه لم يتمكن من تحديد الآلية الفنية الدقيقة التي أدت إلى الشرارة الكهربائية الأولى، أو الجزم بما إذا كان الخلل بدأ داخل الكابل أو في أطرافه أو في علب الوصل.
ورجحت الخبرات الفنية وجود خلل موضعي في أحد مكونات الكابل أو ملحقاته، أدى إلى ارتفاع تدريجي في الحرارة قبل نشوء قوس كهربائي. كما رجحت فرضية حدوث سخونة عند نقطة التماس بين الشاشة المعدنية للكابل وموصل التأريض، مع إبقاء فرضيات أخرى قيد الاحتمال.
وأكد التقرير أنه لم يثبت وجود أي دليل على أن الحريقين كانا نتيجة فعل متعمد أو خطأ في التشغيل.
قصور في الحماية والإنذار والتدخل
أظهر التحقيق وجود عدد من العوامل التي ساهمت في انتشار النيران وتفاقم آثارها، من أبرزها التأخر أو القصور في عزل العطل الكهربائي، وعدم وجود مصادقة رسمية على حسن اشتغال سلسلة الحماية، وغياب أعوان صوملك في الموقع للتدخل الفوري.
كما سجل التقرير غياب حواجز تحول دون انتقال النيران بين مجموعات الخلايا، ووجود مواد قابلة للاشتعال داخل الخلايا وقنوات الكابلات، إلى جانب محدودية أنظمة الكشف المبكر ووسائل الإطفاء.
وأشار كذلك إلى بطء نسبي في منظومة الاستجابة للطوارئ، بسبب الفاصل الزمني بين اكتشاف الحريق وإطلاق الإنذار ووصول فرق الحماية المدنية، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة.
مسؤوليات وأوجه قصور في تنفيذ المشاريع
رصدت اللجنة أوجه قصور على مستويات متعددة من إعداد وتنفيذ مشروع الوصلات الجديدة، مؤكدة أن إثبات وجود خلل لا يعني بالضرورة أنه تسبب مباشرة في اندلاع الحريق أو في تفاقمه.
وركز التحقيق على الصفقة المتعلقة بتوريد وتركيب وتشغيل ثلاث وصلات بجهد 33 كيلوفولت، التي بلغت قيمتها 124 مليون أوقية جديدة وأسندت إلى شركة CTM Bâtiments، إضافة إلى صفقة المهندس الاستشاري IRAF بقيمة 45 مليون أوقية جديدة لمتابعة عدد من الصفقات.
كما وسعت اللجنة تحرياتها لتشمل عقوداً أخرى مرتبطة بالبرنامج الاستعجالي، في ضوء ما وصفته بوجود مواطن هشاشة أوسع داخل الشركة.
توصيات بإجراءات عاجلة
أوصت اللجنة باتخاذ مجموعة من الإجراءات، أبرزها تعزيز الحضور البشري والمراقبة في محطات التحويل الرئيسية، وربط أنظمة المراقبة بالمركز الوطني للتحكم، وتحسين أنظمة الكشف والإطفاء.
كما دعت إلى إعادة تأهيل المنشآت المتضررة بموجب إجراءات استعجالية، على أن تكون إعادة تشغيلها مشروطة بإجراء فحوص موثقة للتأكد من مطابقة المنشآت وأنظمة الحماية.
وأوصت اللجنة كذلك بتشخيص شامل لمنظومة الحماية في محطات التحويل، وإعادة تأهيل المركز الوطني للتحكم، ووضع إجراءات رسمية للعزل والتأمين وإعادة تشغيل الشبكات الكهربائية.
تجميد صفقة وإحالة ملفات إلى الجهات المختصة
ومن أبرز توصيات التقرير مطالبة صوملك بتعليق أي دفع أو استلام مرتبط بالصفقة الخاصة بالوصلات الجديدة المسندة إلى شركة CTM، والشروع، وفق الإجراءات القانونية، في الخطوات اللازمة لفسخها، مع ضمان استكمال المشروع.
كما أوصت اللجنة بإحالة ملف الصفقة إلى سلطة تنظيم الصفقات العمومية لفحص شروط تأهيل الشركة، خاصة في ضوء الطعن الرسمي المتعلق بصحة شهادة حسن تنفيذ مقدمة ضمن ملف الصفقة.
ودعت كذلك إلى إحالة العناصر المتعلقة بهذه الشهادة، مرفقة بالوثائق ذات الصلة، إلى السلطات القضائية المختصة لتقييم ما قد يترتب عليها من آثار قانونية أو جزائية.
إصلاحات أوسع داخل صوملك
لم تقتصر توصيات اللجنة على معالجة أسباب الحريقين، بل كشفت عن حاجة أوسع إلى إصلاح منظومة الحوكمة والتسيير داخل صوملك.
واقترح التقرير إسناد إدارة المشاريع الاستثمارية الكبرى إلى هيئة متخصصة ومستقلة تنظيمياً عن وحدات الاستغلال، وتعزيز الكفاءات الفنية، وتحديث إجراءات الصيانة والاستغلال، ووضع نظام لإدارة الجودة والتحسين المستمر.
كما أوصى بإعادة النظر في الهيكلة التنظيمية للشركة، وتطوير سياسات التوظيف والتكوين، وإرساء خطة متعددة السنوات لتنمية الموارد البشرية والكفاءات.
وشدد التقرير أيضاً على ضرورة تسوية العلاقات المالية بين الدولة وصوملك، وتعزيز الشفافية في الدعم المالي والتعريفات، والعمل على خفض الخسائر التجارية للشركة.
خلاصة التقرير
خلصت اللجنة إلى أن الحريقين ارتبطا بشكل مباشر بالوصلات الكهربائية الجديدة، دون التوصل إلى تحديد قاطع للآلية الفنية التي أشعلت الشرارة الأولى. وفي المقابل، كشفت التحقيقات عن ثغرات في أنظمة الحماية والكشف والاستجابة، إلى جانب أوجه قصور في تنفيذ ومراقبة بعض المشاريع والاستثمارات.
وترى اللجنة أن معالجة هذه الاختلالات لا ينبغي أن تقتصر على إصلاح المحطتين المتضررتين، بل تتطلب إصلاحاً أوسع لمنظومة السلامة والحوكمة وإدارة المشاريع داخل صوملك، بما يضمن حماية الاستثمارات الجديدة واستمرارية خدمة الكهرباء في العاصمة.
وتم اعتماد الملخص التنفيذي للتقرير في 6 أكتوبر 2026 بنواكشوط، من طرف أعضاء لجنة التحقيق المستقلة برئاسة الوزير السابق عثمان مامودو كان، وعضوية المفتش العام للدولة سيدي محمد بيده، ومستشار رئاسة الجمهورية عثمان تال، ورئيس اللجنة الوطنية لرقابة الصفقات العمومية محمد الكوري الشين، ومدير الطاقة بشركة «اسنيم» محمدو يحيى باب.



