رسالة إلى جميع الموريتانيين والموريتانيات من أجل فجر جديد… من أجل جمهورية تعلو فوق الأشخاص/ هاديا امدو كان

رسالة إلى جميع الموريتانيين والموريتانيات
من أجل فجر جديد… من أجل جمهورية تعلو فوق الأشخاص
وجهة نظر
إلى جميع الذين سبقونا، وإلى كل من ناضلوا، وحلموا، وأملوا، وضحّوا أحياناً بحريتهم، بل وبحياتهم، من أجل أن تصبح موريتانيا دولة ذات سيادة، ووطنًا جامعًا لأبنائها جميعاً، نتوجه بواجب الاحترام وعميق الامتنان.
لقد كان تأسيس الدولة الموريتانية ثمرة نقاشات وطنية جادة، شاركت فيها وفود من مختلف مناطق البلاد، وانشغلت بالتفكير في مستقبل هذا الوطن الوليد. وفي ذلك السياق برزت آنذاك ثلاثة توجهات كبرى: الانتماء إلى المغرب، أو الاندماج في إطار فدرالي مع السنغال، أو قيام موريتانيا المستقلة التي ينتمي إليها جميع أبنائها، والقائمة على مبدأ «حسن العيش المشترك».
وكان الخيار الأخير هو الطموح الذي تبلور بعد أربعة أيام من النقاشات الجادة والمثمرة، وانتهى إلى اعتماد اسم الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وهو الاسم الذي اقترحه المرحوم الشيخ سعدبوه يحيى مامادو ألفا كان، الوزير والسفير السابق، والذي كان آنذاك ناطقاً باسم عدد من المكونات، ولا سيما Halabé Yirlabhé وHebiyabhé.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يتقبل روحه وأرواح جميع أبناء جيله، وأن يسكنهم فسيح جناته، في الفردوس الأعلى.
ومع مرور أكثر من نصف قرن على الاستقلال يظل سؤال جوهري يفرض نفسه علينا جميعاً:
ماذا فعلنا فعلاً بالإرث الذي أؤتُمنا عليه؟
ليس هذا السؤال محاكمة لأحد، ولا إدانة لجيل، ولا دعوة إلى جلد الذات؛ وإنما هو دعوة صريحة إلى أن ننظر إلى وطننا بواقعية ووضوح من غير مجاملة، ولكن أيضاً من غير يأس، وبقدر من الشجاعة يبعدنا عن الكراهية وروح الانتقام، فالأمم لا تتقدم بإنكار جراحها، ولا تستطيع أن تمضي إلى المستقبل إلا إذا امتلكت شجاعة الاعتراف بها، وفهم أسبابها، والبحث بصورة جماعية ومسؤولة عن سبل معالجتها.
إن الذين سبقونا لم يناضلوا من أجل جيلهم وحده، وإنما كانوا ينظرون إلى ما وراء حاضرهم، ويحلمون بوطن تكون فيه الحرية والكرامة والعدالة وتكافئ الفرص والازدهار أسساً لمجتمع متصالح مع ذاته، تتحول فيه هذه المبادئ من شعارات إلى واقع معاش.
ومعلوم أن الاستقلال السياسي ليس غاية في ذاته، ولا يكتمل معناه إلا عندما يتحول، بالنسبة إلى كل مواطن ومواطنة، إلى استقلال معاش في الكرامة والعدالة وتكافئ الفرص، وفي الحصول على الخدمات الأساسية، وفي القدرة على المشاركة الفعلية في صناعة المصير الجماعي المسترك.
وإننا نرى أنه بعد كل هذه العقود، أصبح من واجبنا أن نتحلى بالشجاعة الكافية لطرح الأسئلة التي قد تبدو مزعجة، ولكن لا غنى عنها:
لماذا لا يزال نظامنا التعليمي عاجزاً عن بلوغ جميع النتائج التي نطمح إليها؟
ولماذا لا تزال مدننا تواجه تحديات النظافة والنفايات والتوسع العمراني غير المنضبط؟
ولماذا لا يزال ساحلنا والحزام الرملي لنواكشوط يواجهان ضغوطاً متزايدة؟
ولماذا لم تتمكن زراعتنا، حتى الآن، من استثمار كامل إمكاناتها؟
ولماذا يعجز اقتصادنا رغم ما نمتلك من الموارد الطبيعية والثروات المعدنية والسمكية الهائلة عن تحقيق رفاه مشترك و فرص عمل حقيقية لجميع المواطنين؟
إن طرح هذه الأسئلة ليس هجوماً على موريتانيا بل هو في جوهره تعبير عن حب موريتانيا والحرص عليها؛ لأن الجمهورية ليست ملكاً لفرد، ولا لجماعة، ولا لطبقة، وإنما هي ملك لجميع أبنائها، والمسؤولية هنا جماعية، غير أنها تكون بطبيعة الحال أكبر بالنسبة إلى من يتولون مسؤوليات الدولة ومؤسساتها السيادية، لأن من يتولى السلطة العامة يتحمل مسؤولية حماية الشأن العام وصون المصلحة العامة.
ومن هنا، فإن الجمهورية التي نطمح إليها ينبغي أن تكون جمهورية تحظر الزبونية والمحسوبية والفساد واستغلال النفوذ، وتضع حداً لتركيز المسؤوليات بشكل مفرط، وتؤسس لإدارة تقوم على الكفاءة والاستحقاق وخدمة المواطن.
لكن بناء هذه الجمهورية ليس مسؤولية الحكام وحدهم بل هو مسؤولية المواطنين، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني الوطني المنظم والمعترف به، والفاعلين الاقتصاديين، ووسائل الإعلام، والزعامات المجتمعية، وقبل هؤلاء جميعاً وبعدهم الشباب.
فالمطلوب اليوم هو ترسيخ ثقافة المساءلة؛ أي أن يصبح تقديم الحساب عن ممارسة السلطة واجباً وطنياً وثقافة مواطنة راسخة، لا مجرد ردة فعل ظرفي أو مطلب موسمي.
ومعلوم أن الحكم لا يعني التملك، وإنما يعني خدمة الدولة وخدمة المواطنين، والموارد العمومية ليست ملكية شخصية، وإنما أمانة وطنية يجب أن تُدار بما يحقق المصلحة العامة.
ولذلك، يجب أن نقولها بوضوح: الجمهورية ليست قابلة للتفاوض.
وفي الوقت نفسه نأكد أن الفساد أو ضعف الديمقراطية لا يمكن أن يكونا مبرراً للعنف السياسي، ولا ذريعة لاختصار الطريق عبر تغيير النظام بالقوة.
والمتأمل في واقع بلدنا يدرك أنها دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الانقطاعات المؤسسية وتغييرات السلطة بالقوة، فالانقلاب ليس إصلاحاً، ولا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء شبكات النفوذ أو الآليات التي تنتج الاختلالات؛ بل قد يعيد إنتاجها في صور جديدة وبوجوه مختلفة.
وإن موريتانيا اليوم لم تعد بحاجة إلى الطرق المختصرة بقدر ما بحاجة إلى مؤسسات قوية وموثوقة ومستدامة، وإلى دستور يبقى صمام أمانها، وإلى ثقافة سياسية تؤمن بأن التغيير الحقيقي لا يكون إلا من خلال الآليات الدستورية، وصناديق الاقتراع، والحوار الوطني، والنقاش العام، والإرادة الحرة التي يعبر عنها المواطنون.
فالسؤال المطروح ليس: كيف نُحدث قطيعة جديدة؟
بل: كيف نجعل الثقافة الدستورية والديمقراطية راسخة، بحيث تصبح قاعدة ثابتة لا رجعة عنها؟
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يُنظر إلى الاستحقاق الانتخابي لسنة 2029 باعتباره موعداً للنضج الديمقراطي، لا مناسبة للمواجهة أو التصعيد.
ولا ينبغي أن ينحصر الرهان في مجرد استبدال شخص بآخر، أو شبكة بأخرى، وإنما يجب أن يكون أعمق من ذلك بكثير: بناء جمهورية لا يستطيع فيها أي شخص، أو مجموعة، أو مؤسسة، أن تستولي على السلطة بصورة دائمة على حساب القانون والمؤسسات.
فالتناوب الحقيقي على السلطة لا يُرتجل عشية الانتخابات، وإنما يُبنى منذ وقت طويل عبر مؤسسات ذات مصداقية، ومجتمع مدني يقظ، وصحافة مسؤولة، ومواطنين فاعلين، ونقاش عام راقٍ ومسؤول.
فلماذا لا نفكر في هذا الإطار الهادئ والمسؤول في ميثاق وطني للتناوب يقوم على مجموعة من الالتزامات الأساسية، من بينها:
* الاحترام الصارم للدستور؛
* تعزيز الشفافية؛
* ضمان استقلال القضاء
* محاربة الفساد؛
* تكريس الإنصاف والنزاهة الانتخابية
* حماية الحريات العامة
* وصون الوحدة الوطنية.
إن أي ميثاق يقوم على هذه الالتزامات سيبعدنا عن التشرذم السياسي الذي يضعف القدرة على تقديم البدائل المناسبة بل إن تشرذم السياسي في جوهره هو مجرد ملجئ للطموحات الفردية على حساب المصلحة العامة، لذا فإن التفكير في مشروع وطني جامع يتطلب منا أن نتوحد حول المبادئ وأن ننطلق من قناعة راسخة قومها أن أفضل إجابة على العنف السياسي هي قوة الفكر، وقوة القانون، وقوة المؤسسات.
ومعلوم أن القلم لا يقتل بل ينير الطريق؛ ويطرح الأسئلة ويوقظ الوعي ويستنهض الهمم ويدفع إلى التفكير.
ولهذا ينبغي ألا يكون النضال المدني نضالاً ضد أشخاص وإنما نضال من أجل المبادئ.
وموريتانيا تملك في هذا المجال ثروة بشرية هائلة: رجالاً ونساءً وأطراً وكفاءات ومفكرين وأصحاب خبرات قادرين على خدمة وطنهم بإيمان ونزاهة ووطنية.
إنهم كثيرون، وكثيرون جداً، ولا يطلبون أكثر من أن يجدوا وطناً يؤمن بهم، ودولة تتيح لهم أن يساهموا في بنائها، فهؤلاء يمكن أن يشكلوا قوة حقيقية للمراقبة والاقتراح والتعبئة المدنية، إذا أُتيح لهم المجال للمشاركة، بعيداً عن الإقصاء والزبونية والحسابات الضيقة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن بلادنا شهدت خلال العقود الماضية العديد من الخطط وبرامج العمل والاستراتيجيات الرامية إلى مكافحة الفقر في الأوساط الحضرية وشبه الحضرية والمناطق الريفية، باعتبارها أدوات وآليات مؤسسية لتحقيق التنمية وتحسين ظروف المواطنين.
ومن أحدث هذه الأطر الاستراتيجية الاستراتيجية الوطنية للنمو المتسارع والرفاه المشترك (SNCRAPP) للفترة 2020-2030، إلى جانب امتداداتها الجهوية المتمثلة في الاستراتيجيات الجهوية للنمو المتسارع والرفاه المشترك (SRCRAPP)، والتي توفر أطرًا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمجالية، غير أن ما ينقصنا في كثير من الأحيان ليس غياب الخطط أو الاستراتيجيات، وإنما الإرادة الجماعية لجعل هذه الأدوات تعمل بكفاءة وفعالية، وتحويلها من وثائق وبرامج إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
فالمستقبل لا يُبنى بالخطط وحدها وإنما بالمشاركة، والمساءلة، وحسن التنفيذ، وربط المسؤولية بالنتائج.
وإن مستقبل جمهوريتنا يجب أن يُبنى بطريقة قوامها المشاركة المتكافئة، والمسؤولية المشتركة، والثقة في المؤسسات.
وفي هذا السياق، ينبغي فهم الرؤية التي عبّر عنها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني في مشروعه المجتمعي الموسوم بـ«طموحي للوطن»، والقائم على موريتانيا التي يتمتع فيها جميع الموريتانيين والموريتانيات- بمختلف مكوناتهم الاجتماعية والمجتمعية- بحقوقهم ويؤدون واجباتهم، ويساهمون بصورة كاملة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، غير أن أي رؤية وطنية لا تتحول إلى واقع إلا عندما تجد طريقها إلى الحياة اليومية للمواطن، من خلال القانون، والحقيقة، والمسؤولية، ونبذ العنف، وترسيخ العدالة، وتكافئ الفرص.
فموريتانيا التي نريدها ليست موريتانيا ضد أحد، ولا موريتانيا لصالح فئة دون أخرى، إنها موريتانيا التي يشعر فيها كل مواطن أن الجمهورية جمهوريته وأن القانون يحميه وأن الدولة دولته وأن مستقبله لا يتوقف على قربه من شخص أو جماعة وإنما على حقوقه ومواطنته وكفاءته وعمله.
لذا أدعوكم جميعا إلى جعل الحقيقة بوصلتنا، والحوار منهجنا، والقانون مرجعيتنا، والسلام أفقنا.
ولنجعل من الجمهورية دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أقوى من النفوذ، والمصلحة العامة أقوى من المصالح الخاصة، والطموح الوطني أسمى من الطموحات الفردية.
جمهورية متصالحة مع ذاتها.
جمهورية تعلو فوق الأشخاص.
جمهورية يكون فيها الوطن ملكاً لجميع أبنائه.
إن هذا ليس حلماً مستحيلاً، بقدر ما هو مسؤولية جيلنا تجاه الأجيال التي سبقتنا، وتجاه الأجيال التي ستأتي بعدنا.
فمن أجل موريتانيا، فلنبدأ من الحقيقة.
ومن أجل الجمهورية، فلنبدأ من المؤسسات.
ومن أجل المستقبل، فلنبدأ من الآن.
هاديا امدو كان
مستشار وخبير مستقل في التنظيم والتنمية القاعدية، والبيئة والتنمية المستدامة، وإدارة النزاعات والتكوين



