نحو عقار ٱمن بلا نزاع / د. محمد الأمين شريف أحمد.

نحو عقار ٱمن بلا نزاع

مقترح وطني لإصلاح المنظومة العقارية في موريتانيا

الأرض ليست مجرد مساحة على الخريطة، ولا مجرد رقم في وثيقة إدارية. الأرض حق، وملكية، واستقرار، واستثمار، ومستقبل.

ولهذا فإن مشكلة العقار في موريتانيا لا ينبغي أن تختزل في تعقيد الإجراءات أو بطء المعاملات، لأن جوهر المشكلة أعمق من ذلك: كيف نضمن للمواطن أن الأرض التي يملكها هي فعلًا أرضه؟ وكيف نحدد حدودها بصورة لا تقبل الالتباس؟ وكيف نمنع أن تتحول القطعة نفسها إلى موضوع لوثائق متعارضة أو ملكيات متنازعة؟ وكيف نجعل المستثمر والدولة والقضاء والإدارة ينطلقون جميعًا من المعلومة العقارية نفسها؟

هذه الأسئلة تجعل الأمن العقاري واحدًا من أهم شروط الاستقرار والتنمية، وتجعل إصلاح المنظومة العقارية مشروعًا يتجاوز الإدارة إلى حماية الحقوق وترسيخ دولة القانون.

فخلال السنوات الأخيرة بدأت الدولة في بناء عدد من اللبنات الأساسية لإدارة عقارية حديثة: رقمنة الخدمات، والتحقق الإلكتروني من الوثائق، ورقمنة الأرشيف، وتطوير إجراءات التسجيل والتحفيظ، والعمل على المسح والخرائط ونظم المعلومات الجغرافية، إلى جانب إحصاء ورقمنة ممتلكات الدولة.

وفي يناير 2026، أعلنت وزارة العقارات وأملاك الدولة والإصلاح العقاري إطلاق إصلاحات للمحافظة العقارية تستهدف تعزيز الشفافية والأمن القانوني للحقوق العقارية، كما كشفت عن مشاريع تقنية مهمة، من بينها «عقار AQAAR» باعتباره قاعدة بيانات عقارية وطنية موحدة تمنح كل قطعة أرض تعريفًا فريدًا، و«المحافظ EL MOUHAFID» لتحديث الإشهار العقاري، مع توسيع منصة «لعكود» وربطها بمنصة «خدماتي».

وفي الاتجاه نفسه، تعمل الوزارة على تعميم خدمات نظام «LEEGOU» تدريجيًا في المقاطعات الـ54 في أفق 2027، بما يعني أن الإصلاح لم يعد مجرد فكرة نظرية، وإنما دخل مرحلة بناء أدوات عملية لتقريب الإدارة العقارية من المواطن.

ثم جاءت خطوة أكثر أهمية في مايو 2026، بإطلاق عملية إحصاء عقاري للقطع الأرضية المبنية في مدينة نواكشوط تحت شعار «نحو عقار مؤمن وحكامة عصرية»، بهدف إنشاء قاعدة بيانات رقمية دقيقة وشاملة تربط الملكية العقارية بوضعيتها القانونية الحقيقية.

وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة.

فموريتانيا تمتلك اليوم أجزاء مهمة من الحل، لكنها تحتاج إلى جمع هذه الأجزاء داخل منظومة واحدة تجعل حماية الملكية وإنهاء النزاعات هدفها النهائي.

من إدارة الوثائق إلى حماية الملكية

لقد كان العقار، لفترة طويلة، يُدار أساسًا من خلال الوثيقة: سند، عقد، مخطط، محضر، أو ملف محفوظ في الإدارة.

أما الإدارة العقارية الحديثة، فلا تكتفي بالسؤال: أين الوثيقة؟

بل تسأل:

أين الأرض؟ من يملكها؟ ما حدودها؟ ما وضعيتها القانونية؟ هل عليها رهن؟ هل توجد بشأنها منازعة؟ وما تاريخ انتقال ملكيتها؟

وهذا هو التحول الذي ينبغي أن تصل إليه موريتانيا.

فلكل قطعة أرض يجب أن تكون هناك هوية عقارية واحدة، ترتبط بها الخريطة والإحداثيات والمالك والسند وتاريخ الملكية والوضعية القانونية والرهون والنزاعات والمعاملات.

وعندها يصبح من الممكن الانتقال من إدارة الوثائق العقارية إلى إدارة الملكية العقارية.

وهذا هو جوهر فكرة «النظام الوطني الموحد للملكية العقارية»

والمقصود هنا ليس بالضرورة إنشاء مؤسسة جديدة أو جهاز إداري ضخم، وإنما ربط الأنظمة والمنصات والبيانات الموجودة، بحيث تتحدث جميعها لغة عقارية واحدة، وتنتج في النهاية معلومة واحدة موثوقة يمكن للإدارة والمواطن والقضاء والمستثمر الرجوع إليها.

لماذا أصبح هذا الإصلاح ضرورة؟

لأن استمرار تعدد مصادر المعلومة العقارية يفتح الباب أمام النزاع.

وقد أظهرت تقييمات حديثة للقطاع أن موريتانيا ما تزال تواجه تحديات تتعلق برقمنة الإدارة العقارية، وضعف التغطية الجغرافية، ومحدودية شفافية المعلومات، وتداخل الممارسات العرفية مع الإجراءات الحديثة، وهي عوامل يمكن أن تنتج ازدواجية في الملكيات وعدم يقين ونزاعات طويلة.

كما أن السلطات نفسها شخصت عددًا من الاختلالات، من بينها مشاكل الاقتطاعات الريفية، والمنح المزدوج، وطلبات التعويض، ومشاكل المخططات ورفع التشفير، وهي ملفات تؤكد أن القضية ليست تقنية فقط، وإنما تتعلق أيضًا بتصفية إرث عقاري متراكم.

ومن هنا، فإن الرقمنة وحدها لا تكفي.

قد نرقمن مليون وثيقة، لكن إذا بقيت الوثائق المتعارضة متعارضة، والحدود غير واضحة، والملكية غير محسومة، فإننا نكون قد نقلنا المشكلة من الورق إلى الحاسوب فقط.

المطلوب هو رقمنة الحقيقة العقارية، لا رقمنة الوثيقة وحدها.

من رقمنة العقار إلى تأمين الأرض
المطلوب ليس مشروعًا جديدًا يبدأ من الصفر، وإنما مشروع يجمع ما بدأ، ويصحح ما تعثر، ويربط ما تفرق، ويصفي ما تراكم، ويمنع إنتاج النزاعات من جديد.

إنها فرصة للانتقال من إدارة العقار إلى حماية الأرض؛ ومن حفظ الوثائق إلى تأمين الملكية؛ ومن معالجة النزاع بعد وقوعه إلى منعه قبل أن يبدأ.

وفي النهاية، فإن نجاح هذا المشروع يمكن اختصاره في صورة واحدة:

أرض محددة على الخريطة، مالك معروف، سند موثوق، حدود واضحة، ومعلومة عقارية واحدة لا تتناقض مع نفسها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى